التحدي المصيري أمام السلوك الإجتماعي

2020-11-20

السلوك الإجتماعي ليس مجموعة من الأحاسيس المُضطربة، أوْ كَومة من العواطف الساذجة، أوْ منظومة من رُدود الأفعال العبثية، وإنما هو منهج نظري وعملي في آنٍ معًا، يشتمل على تاريخ الأفكار الإنسانية، والوعي الوجودي بهذا التاريخ . وكما أن الوعي لا ينفصل عن التاريخ، كذلك الفكر لا ينفصل عن التطبيق . وهاتان القاعدتان تسيران جَنبًا إلى جَنب في فلسفة الشعور الإنساني، التي تستمد شرعيتها من قُوَّة المنطق والأحتكام إلى العقل . وهذا يدفع باتِّجاه توليد تيار فكري نقدي، يقوم على فحصِ المُسلَّمات المُكرَّسة اجتماعيًّا بفِعل الأهواء والمصالح والعادات والتقاليد، واختبارِ حقيقة الوعي الإنساني في عَالَم القَسوة المُتغيِّر . وقَسوةُ العَالَم هي الإمتحانُ الحقيقي للإنسان، وُجودًا وفِكْرًا وشُعورًا . وبما أن كُل امتحان يحتاج إلى إجابة، ولا يُمكن التَّهَرُّب مِنها، فإنَّ الإنسان مُطَالَب بالإجابة عن السؤال المصيري الذي يمسُّ شرعيةَ وُجوده، ومشروعيةَ سُلطته الإعتبارية على الأنساق الإجتماعية : هل يُحافظ الإنسان على إنسانيته في العَالَم القاسي والبيئة الخشنة أَمْ يتحوَّل إلى وحش كاسر للحِفاظ على وُجوده وسُلطته ؟ .

والتحدِّي المصيري أمام السلوك الإجتماعي ينطلق مِن حقيقة مُفادها أن الإنسانية على المِحَك، والإنسانيةُ هي القلب النابض للسلوك الإجتماعي، وهذا يعني أن الإنسان صارَ في مركز الخطر، ولم يَعُد الخطر مُجرَّد احتمال، وإنَّما صارَ واقعًا ملموسًا ومُعاشًا، ولم يعد الإنسانُ واقفًا على الشاطئ يُراقب دَوَّامات البحر، وإنَّما صار في أعماق الدَّوَّامات، وعليه أن يُنقِذ نَفْسَه بنَفْسه، ويُقَاتل الطاقةَ السلبية بالطاقة الإيجابية، لأنَّ بَر الأمان بعيد، ولن يأتي أحد لإنقاذ أحد، لأن كُل إنسان مشغول بنَفْسه، ولا يُفكِّر إلّا بالنجاة الشخصية . وهذا أمرٌ مُتوقَّع في بيئة عالمية مُعادية لإنسانية الإنسان، كرَّست الخلاصَ الفردي كَحَل وحيد للنجاة، لذلك صار كُل فرد يُحاول القفزَ مِن السفينة قبل غرقها، ولا يُفكِّر بإنقاذ السفينة . والنجاةُ الجماعية لَيست مُستحيلة، فلا داعي للخوف، ولا وقت للبكاء والإستسلام، والوقتُ الذي يَقضيه الإنسانُ في البكاء على الماضي، يَكفي لبناء الحاضر وإنقاذ المستقبل . والوقتُ الذي يَستهلكه الخَوفُ مِن المَوت، يَكفي لصناعة الحياة .

 

 

إبراهيم أبو عواد

كاتب من الأردن

 

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
©2024 جميع حقوق الطبع محفوظة ©2024 Copyright, All Rights Reserved