بوب ديلان: نوبل لصوت الحرية والتضامن الإنساني/ ثقافة موسيقية

2017-03-25
//api.maakom.link/uploads/maakom/originals/6001b662-b055-43d0-8f5d-c39a65136a0b.jpeg

رغم ان الحروب والمواقف المناهضة منها قد اخذت طريقها الى غير شكل أدبي وفني معاصر، إلاّ ان غناء الروك كان له قصب السبق في هذا الجانب، فلا تهكم ولا غضب عبر الموسيقى مثلما استطاعت أغاني الروك ان تنتجه، وبذلك وسعت رقعة المناهضة لتلك الحروب والعنف الرهيب، فضلا عن إعلاء الصوت من اجل الحرية والتضامن الإنساني . ومن تلك الموجه من الأغنيات، كانت ما وقّعها شعرا وموسيقى وغناء، الأميركي بوب ديلان، واسمه الأصلي روبرت ألين زيمرمان، المولود في ولاية مينسوتا 1941 .

أغنيات ديلان، اذ ناهضت "فلسفة الدم" كما مثلتها الحروب، فهو كان يدعو في الجانب الآخر من فكرته الى إعلاء شأن السلام والحب، وتهشيم قلاع العنصرية والعنف والكراهية، مثلما كان يثني على الأجيال الجديدة في افتراقها عن الدروب التي تبدأ من تلك القلاع المظلمة  و"الشيطانية" كي تصل الى نزهة فسيحة في حقول الحرية، كما كان يدعوها "النظر بغضب الى ماض" كئيب تورثه الحرب والصراعات بين الدول والشعوب .

وكانت أغنية "تعصف به الريح" شعاراً لاحتجاجات الشباب، بل انها دخلت في ضميرهم . ومن هنا لا تبدو مبالغة وصف مغنيها ديلان من قبل مؤرخ أغاني الروك غريفل ماركوس ممثلا لـ "أميركا الشابة"· ونقل هذا المنحى فكر ديلان نحو احياء تقاليد الروح الاجتماعية والسياسية التهكمية التي سادت لفترة في الموسيقى الفولكلورية الأميركية وبمعاونة من وودي غاثري كاتب الأغاني الشعبية .

نصوص شعرية لا مجرد أغنيات

ويبدو ان فتوراً ما أحاط بهذه الحماسة حتى بدت الأغنيات الاحتجاجية مثل اشارة الى "مراهقة فكرية" عند بوب ديلان، وما عاد لقب "موسيقى جيل الغضب" يجد عنده حماسة ما، وراح يكتب اغنيات مثل "السيد ضارب الطبل" و"كالحجر الدّوار" التي اعتبرها العديد من النقاد بمثابة قطع شعرية لا مجرد أغنيات، وهذا المنحى ما لبث ان تكرر في مجموعات غنائية مثل "قطار بطئ قادم"  1979 و"الذي نجا" 1980 " و"الكفّار "1983  والتي تؤشر تأرجح ديلان بين  ( يهوديته )  والمسيحية التي اختارها واعتنقها في السبعينات وأثّرت عليه الكتابات الدينية المسيحية "السوداء"، وانعكس ذلك على أغنياته ذات الطابع الإحتجاجي، التي غالباً ما كانت تتصدر شعارات الناشطين والمحتجين اثناء فترة المطالبة بالحقوق المدنية في بلاده والعالم .

وثمة من يرى تأكيدا على تحول روحي وديني عند ديلان ، اشتراكه العام 1997 بمدينة بولونيا الإيطالية ، في حفلة غنائية ضمت اضافة اليه العديد من أسماء ونجوم النغم في ايطاليا وأوروبا، وحضرها الباب يوحنا بولص الثاني، ونظمها مجلس القربان المقدس التابع للفاتيكان· وخص بوب ديلان تلك الحفلة الغنائية بثلاث من اغنياته الشهيرة: "شاب للابد" و"مطر غزير" و"يقرع أبواب السماء"، وسبقته في الغناء مجموعة كورال كنسية حيث انشدت اغنيته "تعصف به الريح"، ومطلعها يقول: "كم من الدروب على الإنسان ان يسلكها قبل ان يعترف به كأنسان"؟. البابا تولى الإجابة على هذا التساؤل الذي يرد في الأغنية ضمن كلمته التي قالها في الحفلة: "انه طريق واحد فقط… الرجل له طريق واحد للسفر فيه وهو طريق المسيح الذي قال انا الطريق"· واعتبرت هذه "المباركة البابوية" لبوب ديلان وأغنيات الروك تغييراً لافتاً في نظرة الكنيسة الى موسيقى الروك التي طالما نظرت اليها نظرة متشككة .

هذا الموسيقي صاحب الرؤى "التحريضية" على الفعل الانساني، كان رشّح مرات عدة لجائزة نوبل للآداب، وثمة من قال ان "الاكاديمية السويدية" قد  تكسر قواعدها الرصينة وتمنح جائزتها الاشهر لبوب ديلان، وهو ما فعلته صباح الخميس 13 تشرين الأول 2016 "لأنه ابتكر تعابير شاعرية جديدة داخل التقليد الغنائي الأميركي العظيم".



بوب  ديلان ..حين يرقى الغناء الى مرتبة الأدب الرفيع

وكانت أوساط ثقافية ومؤسسات اكاديمية طالبت بمنح ديلان هذه الجائزة عبر ترشيحه لها، فقد كان الكاتب النرويجي ريدار اندريبو أول من اختاره مثنياً على القيمة الادبية الصرفة لقصائد وأغنيات ديلان، التي اعتبرتها اوساط جامعية العام الماضي من حيثيات ترشيحها لديلان: "من مستوى الشعر العالمي الجميل الذي يستحق كل اعجاب وثناء"· ونضجت فكرة ترشيح ديلان للجائزة مع تضامن العديد من النقاد والأكاديميين لاجل ذلك فكتب الاستاذ الجامعي غوردون بال: ان "أشعاره وكلماته قد غيّرت تاريخ العالم (…) واستطاع ديلان ان يخلق علاقات حميمة من نوع جديد بين الكلمة واللحن"·

* كنت أعمل في القسم الثقافي بـ"الرأي" العام 1999 وسألني محرره الزميل الأستاذ موسى برهومة من هذا المغنى الأميركي بوب ديلان المرشح لنوبل للآداب؟ أجبت بشيء من التفصيل الذي اغراه سريعا لتقول: "شو منتظر اكتب هذا الكلام بقصة".. وكانت فعلا واحدة من القصص الجميلة التي ستظل شاهدة على سيرة مشتركة عمادها الثقة والاجتهاد. والنص الحالي هو في حقيقته جوهر تلك القصة الصحافية .

 

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
©2024 جميع حقوق الطبع محفوظة ©2024 Copyright, All Rights Reserved