خط نار ممتد

2008-12-14

الروا//api.maakom.link/uploads/maakom/originals/1fc13f7e-28a4-422d-bac7-02d46963f895.jpeg ية الفائزة بالجائزة الأولى
من نادي القصة بالقاهرة عام 1997

نهاية أم بداية ؟!


كأنه لا يدرك مرور الأيام إلا بعد مرورها. نظر في ساعته ، وكان خلعها من معصمه ووضعها أمامه على الطاولة، ثم أعاد وجهه إلى ورقة الإجابة والقلم يكتب. الزمن يسابقه أم هو الذي يفعل ؟ لن تمر الدقائق إلا
وقد طوت السنوات الأربع الجامعية بكل ما فيها من حلو ومر ،و عناء وغربة .غادر الصالة قبل زملائه . مسحت نظراتهم ظهر قميصه ثم عادوا إلى أوراقهم .سينتظر ليودعهم . ملأ صدره الهواء عندما انفتح المشهد على حديقة الكلية، وتمايلت أزهار الصيف تحت ظل شجرة عتيقة . بعض الطلبة من الصفوف الأخرى
تناثروا على العشب. إحدى الطالبات مددت للشمس ساقيها العاريتين ،وأخرى بسكويتا تتبعه برشفة بيبسي . مسح المكان بعينيه كأنما يراه لأول  مرة. ألا يدرك جمال الأشياء إلا وهو يغادرها إلى غياب سيطول ؟
- قضينا فيك أعواماً لا بأس بها .
ابتدأ العناق لدي نزول باقي الزملاء . قال للشاب الذي تتدلى من عنقه سلسلة ذهبية ، ويصل شعر رأسه إلى كتفيه: كلمة واحدة في الترجمة وقفت في طريقي ولكني خمنتها .
دارت عيناه تبحثان. لعلها تظهر الآن ! لكن وجه غريمه مجاهد، ابن قريته، هو الذي ظهر . يبتسم في ثقة ، ومن خلفه بخطوة واحدة لمح زينات . تتناثر الثواني تحت الأقدام حتى يكاد الزمن يتلاشى . تنعدم الخطوة حتى يغيب المكان. لكأنما خرجا معاً أو خرجا على موعد . من منهما وراء هذا التقارب الذي يوشك على التطابق ؟ هما في قسم التاريخ .. معاً .. أما أنت فتحس بالزهو لأنك في قسم اللغة الإنجليزية وآدابها .. يتملكك الكبر لصعوبة ما تدرس ولأن مستقبلك سيكون - ربما - أفضل !
صافحها بعينيه مكتفيا لأنها قليلاً ما تمد يدها في المصافحة ؛ بل تكتفي بإيماءة وبظل ابتسامة . ماذا يحدث الآن ؟ هل تمشي الأشجار وتغادر الحدائق ؟ هل يأتي البحر إلى هنا ويستعرض خلجانه وجزره المشمسه؟ إن زينات هي التي تضع يدها في يد مجاهد ووجها كالعدسة تصور وجهه. ربما تسأله عما فعل أو كيف أجاب على سؤال بعينه . هل عيناها سقطتا كعصفورتين في فخ صدره ما بين الشعرات المتمردات إذ تعمد نسيان الزرار الأعلى مفتوحا ؟
- شكسبير ظهر يا زينات !

نادتها إحدى صديقاتها فتركتهما وجها لوجه ، وقصدتها بعد أن استأذنت تاركة بسمتها في وجهيهما . لو كان المكان يتحول إلى حلبة ملاكمة ليخرج كلاهما ما يخبئ من " محبة " لصاحبه ! لا تحاول فإنها لي ولن تصل إليها إلا على أنقاضي . طالعها تبتعد مع زميلتها محتشمة في زيها رغم أن الموضة هي
القصير . يتماوج شعرها تحت الشمس ، تذوب خيوطه في بحر الشعاع ، أم إن الشعاع يسكر بهذه الخيوط وينتشي؟ يحمل لها عبد المنصف صوراً خمرية ،في صدرها برعمان يتطلعان إلى الطيران ، برعمان على غصن شائك لا تستطيع اليد أن تمتد إليهما لتلمس .. فما بالك إذا قلنا : لتقطف ؟ ربما يكون خصرها
مغرقا في النحول ؛ لكنه يحمل في انسجام تام كل هاتيك المفاتن . أما خطواتها فأين تعلمت هذه الريفية تلك الخطى ؟ كأنما على بساط روحي تخطو ... أو كما يخطو الحمام على سطح منزلنا . لو يسطيع أن يذيبها في فنجان شاي ويشربها بدلاً من السكر ؟ . يا زينات يا حبة القلب : أنا الذي أفهم جمالك أكثر من مجاهد . لن تكوني أول فتاة يعرفها . وإذا أصبحت له فإن جسدك الطاهر لن يكون جديداً عليه فقد سبق له التعرف على أجساد كثيرة . ألم تصلك الإشاعات ؟ أما أنا فسأجعل من كل جزء من أجزاء جسدك محرابا أتعبد فيه . حتى أنفك سأشرب هواءه . يا لقدميك الجميلتين ! ستقفين أمامي على مكتبي وسأنقر على أصابعهما كما على آلة كاتبة لكي أسطر بهما أحلى كلام . وأصابعي ستكتب على كل نبعة ضوء في بدنك حرفا ناطقا بالعشق .
وعندما كنا في السنة الأولى - لا أنسى بل أشعر بالندم - وإن مكان الجر.. أعني مكان العملية فسأرف عليه رفيفا بشفاهي كل ليلة لأعتذر لك عن تقاعسي عن الزيارة . كل الزملاء عادوك أثناء العملية ووقفوا إلى جوار سريرك في مستشفى الجامعة إلا أنني جبان ! علمت أنك سيجرى لك جراحة . ثم علمت أن
الجراحة قد أجريت وانك ستخرجين في اليوم التالي . ثم علمت أنك قد خرجت وعدت إلى المدينة الجامعية بالشاطبي . علمت وعلمت ولم أتحرك كأنني صنم .السيول والفياضانات والزلازل والبراكين ثارت وضجت داخلي ولم أتحرك. رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على ذلك إلا أنني ما زلت أتألم كلما خطر في بالي
تقاعسي ولم أجد له تبريرا فهل كنت أخشى أن يقال إنني أحبك ؟! الجميع ذهبوا إلا أنا . هممت كثيراً ولم أنهض وقلت : ماذا سأحمل لها من هدايا ؟ إن كنوز العالم تتضاءل أمام حبي لها . وإذا زادت الهيدية عن المعتادأثارت التساؤلات . ثم صار ما أطلقت عليه ما قبل العملية وما بعد العملية في علاقتي العاطفية !
أما قبل فقد كنت تتحدثين معي بعينيك الضاحكتين . كانتا تقولان لي :" أعرف اهتمامك بي . مشاعرك البرعمية تستهويني .أعرف أنك لا تترك قسمك وتأتي قسم التاريخ إلا من أجلي " . كانت بسمتك في وجهي تنثر حولي الفراشات الملونة المشحونة أجنحتها بالشمس ، وكلماتك على قلتها تزرع في وجداني قوس قزح .
أما بعد وعندما التقينا على سلم الكلية ، كنت نازلاً وأنت طالعة . اهتز كياني واختلط توازني . نظراتك الصافية كانت أشواكاً عاتبتني وذبحت تقاعسي عندما قلت لك : حمدا لله على السلامة لم تزد الإجابة عن شكرا . كلمة واحدة باهته كابية لاسعة لاذعة . شكر. فراشة واحدة هي التي طارت من بين الشفتين . تمنيت في تلك اللحظة أن أخسر عمري ولا أخسرك . ألست تفهمين ؟ ألا يمكن أن تجدي لي عذراً ؟!
ومر الزمان...
ومسح بكفه الحنون على هذه الغلطة التي لاتغتفر لعبد المنصف ونسيت زينات لأن بعض فراشات الشمس عادت تنطلق مع بسماتها وتحوم حول الفتى . وفي اللقاءات المتباعدة العفوية في أرجاء الكلية كان يلمح ما يريد من إمارات ودلائل على اهتمامها به وتقبلها إياه . ومن يدري ؟!
- انظر. إنه الحاج شعبان !


أشواق العودة

جاء والد زينات ليعود بابنته . إلى جانبه الفلاح صابر يتبدى الآن في ملابس الشياكة شيئا آخر . تقدم عبدالمنصف ومجاهد نحو العم شعبان فتهللت أساريره إذ رآهما . احتواهما في حضنه معاً ، دفعة واحدة!. عرض عليهما خدماته وهو يمد يده ليخرج حافظة نقوده المشدودة إلى الصديري بسلسلة متينة فشكروه . يتحرك كالسفينة وهو يعيد ترتيب العباءة الخفيفة على جسمه الذي امتلأ . ابنته عن يمينه كقطة تأخرت عنه خطوتين . يحمل صابر الحقيبة ويهرول تحتها يكاد يتعثر في جلبابه الجديد وحذاء ينتعله لأول مرة .
استقلوا سيارة أجرة إلى محطة سيدي جابر . لحق بهما الشابان والقطار يتحرك . صعدا إلى نفس العربة . نظر كل منهما إلى رفيقه على أنه متطفل . لم يجد أحدهما كرسيا خاليا . دارت الأعين تبحث عن الحاج شعبان ومن معه بين المسافرين. لكن العين وقعت على صديق قديم: عبد العزيز موافي ؟! عاش من شافك !!
أفسح عبد العزيز مكانا لعبد المنصف انحشر فيه بعد أن تعانقا ..
- أما زلت في الخدمة العسكرية يا صديقي ؟
- كما ترى ! وهل يخرج منها من يدخلها ؟. وتتحرك رأسه كالرادار تحاول التقاط صورة لطائرة تشق فضاء الروح كشبح!
- الحاج شعبان المرسي هو وابنته.. زميلتنا ؟
- صحيح ؟
يريد - لأنه لا يستطيع التحدث معها - أن يتحدث عنها على الأقل ، لكن صديقه لا يجاريه بل جذبه إلى مدار اهتمامه
- أليس ثمة أخبار عن حرب قادمة ؟

مد بصره إليها متخطيا الطواقي والرؤوس والأكتاف . ألقى عينه على جانب وجهها من بعد . ثبت نظراته والتقط لها صورة بروفيل ستدوم طويلا في ذاكرته . لك وحشة يا عبد العزيز . من زمان وأنا أتلهف لرؤيتك .
- نحن في شغل شاغل . أربعة أعوام مرت وأنا في البحرية لا أدري متى أخرج . ولن أخرج إلا بعد إخراجهم . جيشنا يختلف تماما عن ذي قبل . طبعا. معظم المجندين من حملة المؤهلات العليا والمتوسطة . أنت في الليسانس ؟ إذن استعد يا بطل للانضمام إلى الصفوف . أتى دورك ! وسألهما الراكب الثالث على المقعد عن إشاعة مفادها أوامر عليا موجهة إلى رؤساء الجامعات وعمداء الكليات بأن لايرسب أي طالب في البكلوريوس أو الليسانس لأن الجيش في احتياج لأكبر عدد ممكن من الخريجين .
- الجيش فيه ما يكفيه ثم إن هذا العام عام الحسم .
صعد الصهد إلى صدره . هل سيدخل الجيش ويتركها لغريمه أم غريمه هو الآخر داخل ؟ . أفاق على جلبة إنزال الحقائب من على الرفوف . اقترب القطار من محطة . الركاب الذين يقبعون على الأرفف يزدادون . أرجلهم مدلة تفوح من أحذيتهم فيضانات. عندما إنتبه شعر بغثيان ؟ نزل ركاب ليبتلع القطار غيرهم. على الرصيف وقف عبد العزيز منتظرا لكن صديقه في شغل شاغل؛ عيناه تتسابقان بحثا عن وجه بعينه . لا مجال للشك أنها نزلت، وأنها هنا على الرصيف ما تزال، وأنه سيفوز برؤيتها .. لقد رآهم ! بجوار والدها لمح مجاهد بقامته الممشوقة وخطواته الرياضية أما هي ففي يسار والدها تأخرت خطوة واحدة بينما تتمايل الحقيبة الثقيلة على كتف صابر .غادروا المحطة ذات المبنى العتيق والأشجار التي تمرح فيها العصافير .
ساروا في شوارع البندر قاصدين موقف الكارتات ليأخذوا إحداها إلى قريتهم .
- من عليه الدور يا رجال ؟
كان الحوذي ممددا ساقيه النحيلتين ،الخاليتين من الشعر،في الشمس بينما رأسه في ظل حائط ،وأشار إلى عربة كان حصانها منهمكا في البحث دون جدوى عن حبة فول في التبن فنفخه بمنخاره،. لاحظ أن عبد المعين لم ينزع الشكيمة الحديد من حنك الحصان وهو يأكل بل ترك أضراسه تحتك بها بينما استلقى بعيدا يلوك رغيفا لواه على بضع طعميات باردة وأعواد فجل غير مغسولة وهو مغمض العينين في استرخاء وبلادة وعته . صعد الحاج شعبان ثم ابنته ثم صابر . هؤلاء في ناحية ومعهم حقيبتان وفي الناحية الأخرى عبد المنصف وعبد العزيز وحقيبتان وشاب أكبر منهما في ملابس عسكرية يدعى محمد بدوي . انهض
يا عبد المعين ! هل نعست ؟
- العدد لم يكتمل بعد .
ودفس بقية الرغيف في فمه محركاً حاجبيه ليغيظ صابر الذي أكد له : كامل يا لطخ !
- ناقص أربعة .
- عندك أربع حقائب . لك على كل شنطة أجرة نفر . مبسوط؟ كبس الطاقية في رأسه ونهض . نفض التراب عن هدومه فكأنما تمرغ حمار . رفع غلق التبن من أمام الحصان ولكمه في أسنانه . رفع السوط وهوى على ظهره المقروح فانتفض من المباغته فصرخ فيه : هِس !! يا بتاع الكلب ! توقف
الحصان جامدا إلى أن صعد وجلس على الدكة الأمامية ثم لسعه : شيه يا بتاع الكلب ! هب الهواء من يم الحقول فتمتم الحاج شعبان :الطراوة حلوة يا أولاد ! وعلى امتداد الطريق كانت شمس الفتى أمامه فهل يستطيع أن يحدق في وجهها ؟ تذكر اللورد بايرون الذي قال : الشمس والموت لا يمكنك أن تحدق فيهما دون
أن تدمع عيناك . ليتها تتحدث ولاتكف عن الحديث حتى أظل مرتشفا عسل كلامها . وكيف يحدق في الشمس وأبوها إلى جوارها يكشفه ؟ اكتفى بالكلام مع غريمه ولعلها تتابع . لمح جنودا في منطقة عسكرية ينشرون غسيلهم على الأسلاك .بعضهم في مواقعهم خلف مدافعهم يبدون بعيدا كأشباح في زي مموه . حياتهم
شاقة ! نحن لم نحارب في 67 . لقد أدخلنا حربا ولم نحارب .ثم .. هل أرواح الشباب كأرواح الذباب في

 بلادنا ؟
- ابتسم يا أخي فالانسان هو الكائن الوحيد الذي يعرف كيف يبتسم! . لماذا لا تدخل الحمامة في الحوار ؟ غردي أو فنوحي ! أي شيء منك سوف يسعدني . الإتحاد السوفيتي هو الذي ورطنا ..
- حرام عليك يا بني . إنه هو الذي يمدنا بالسلاح
انضم مجاهد إليهما : كلاكما على حق يا عم شعبان . قبل الحرب بفترة بسيطة قام الاتحاد السوفيتي بتحذير مصر من هجوم اسرائيلي موشك على سوريا،ولم تكن هناك حشود ، وشربنا المقلب وتحرك الجيش إلى سيناء، وأغلقنا المضايق التي تتحكم في الوصول إلى إيلات ،وطلبنا من الأمم المتحدة سحب قوات الطوارئ الدولية .. الحمامة تكمل حديث زميلها في قسم التاريخ :
- وانفلت زمام الأحداث..
رأى عبد المنصف أن هذه اللعبة لا يجيدها هو ولم يتدرب عليها . لو كان الحديث عن شيلي أو كولردج لما تحدث غيره ! .قال عبد العزيز :
- لا تنسوا أننا أغرقنا المدمرة إيلات ..
- ومعركة رأس العش ؟ أسمعتم عنها ؟
سألها والدها : هل كانت قبل إغراق المدمرة أم بعد ؟ تناثرت ضحكتها في الحقول : هذا سؤال صعب يا أبي !. أهدابها في الشمس تسحره. ستسكن الشمس خديها وتشرق منهما. قال بدوي : أنا أقول لكم لأنني عشتها .. إن لم تخنّي الذاكرة .. حدثت في الساعات الأولى من صباح أول يوليو 67 أن تقدمت قوة مدرعة اسرائيلية من
الجنوب لاحتلال بور فؤاد في الشمال . ومن الذي تصدى لهم ؟ فصيلة من قواتنا المصرية . وحوش .
ارتفع صوت صابر مقاطعاً : يا جماعة . صلوا على الذي سيشفع فيكم . أنا صحيح فلاح ولكني أحس وأشوف . الأرض التي كانت تزرع البرسيم والقطن والذرة صارت تزرع طيارات ومدافع . من كان يصدق أن أرض أولاد عمر تتحول إلى قاعدة عسكرية ؟ كنا نسهر هنا ونشوي كيزان الذرة ونصنع الشاي على الراكية فصار المكان غير المكان وممنوع الاقتراب والتصوير . حلت دانات المدافع محل الكيزان الخضراء . كل هذا والناس يقولون : لن نحارب ؟ إزاي ؟ حرام عليكم ! ويلسع عبد المعين الحصان على ظهره وقوائمه بلا توقف وكأنما ليتسلى دافعاً الوخم عن عينيه العمشاوين . سأله صابر :
- أعطيك جنيها لو قلت لي لماذا تضربه . الله يهد حيلك يا بعيد !
قال الحاج شعبان : أسمعتم عن الأستاذ فؤاد خضر ؟ لقد استدعوه إلى الخدمة العسكرية وعمره ثلاثون إلا بضعة أيام .
- معقول ؟ ربما كان معه إعفاء مؤقت .
- بل إعفاء تام نهائي . تم إلغاؤه !
- كأسٌ تدور يا جماعة !

تهديد بالغرق

انتبهوا فجأة على عربة قادمة من ناحية القرية وكان المصرف يتحدى العربتين اللتين انحرفتا في اتجاهين مختلفين منعا للصدام . حاول الحوذي الفرملة بجذب الحصان حتى كاد فمه يتفسخ ، لكن الحصان الذي تعود على القسوة تبلدت استجاباته . ساخت إحدى العجلات في كتف المصرف فمالت الكارتة ، وأقعى الحيوان على خلفيتيه والضرب لم يتوقف . قفز بدوي وعبد العزيز وأمسكا بتلابيب العربة كي لا تسقط في الماء إلا أن زينات التي لم تتشبث بمقعدها جيدا ارتمت على أبيها صارخة وقد حل الليمون محل الخوخ
الناضج في وجنتيها . انخلع قلب عبد المنصف ولم يدر ماذا يفعل . أينزل أم يظل ؟ وهل يسألها عن حالها ؟ كل الزملاء زاروها في المستشفى قديما إلا هو !! تمكن الرجال من السيطرة على الموقف، وظل الحاج شعبان يربت على كتف ابنته ليعيد لها لونها المخطوف . الحوذي لا يفعل سوى ضرب الحيوان ورفسه بغباوة.
نجونا من أهوال معارك فهل نهلك في مصرف قريتنا ؟ نشفت دمنا الله ينشف دمك ! أشعل بدوي سيجارة بعد أن عزم على الآخرين . نعود إلى حديثنا ، يقول بدوي . مما أذكره جيدا ما حدث في صيف 69 ( إنه يشدهم إلى سماعه شدا) . كأنما حدث البارحة . الصوت أمام عيني وأنا أحدثكم الآن . يخرب بيت شكلك ياعب المعين . خف شوية خليني أعرف أتكلم . تم استدعاء كتائب المدفعية إلى مدينة السويس واحتلال مراكز ملاحظة متقدمة لخدمة هذه الكتائب. كنت أعمل مراقب استطلاع وأتخذ موقعي في بناية مهجورة مطلة على كورنيش بورتوفيق حيث أزحنا طوبة أو طوبتين متجاورتين في جدار إحدى الغرف كي أطل من هذه الفتحة
الصغيرة فأرى أمامي إحدى النقاط الحصينة في لسان بور توفيق . عرض اللسان حوالي مئة متر . به دبابات رابضة في مواقعها المموهة وعربات مجنزرة وخلافه ؛ وكنت أقوم بإبلاغ ما أراه أمامي لحظة بلحظة للقيادة

 

يخرب بيتك كفاية ضرب في الحصان بأه .بدأت قواتنا تتعامل مع العدو حيث تفتح مدفعيتنا نيرانها يوميا في الساعة الرابعة عصر كل يوم. بالثانية . الموعد ثابت تماما . وكان العدو يرد بنيران الدبابات والمدفعية بينما يحتمي جنوده في مواقع حصينة . وهكذا تعود العدو أننا نضرب في الساعة الرابعة فكان أفراده قبل الموعد بدقائق يستخفون عن الأنظار .
توقف بدوي حتى استعاد كل العيون فتعلقت به ، ثم أكمل : استمر الحال هكذا حوالي عشرين يوما حتى جاء اليوم الموعود . وفي نفس التوقيت المعتاد حيث يختبئ جنود العدو مطمئنين تحركت قوات الصاعقة المصرية !
- الله أكبر !
- رأيتهم وراءنا في الشارع الخلفي يتقدمون بأسلحتهم وأجهزتهم وأمامهم قوات المهندسين لفتح الثغرات . كل هذا والعدو داخل حصونه كما تعود أن يفعل . ومن مكاني في الحجرة إياها رأيت الزوارق المطاطية تنزلق من القناة فدق قلبي وقلت : ربنا معهم . وفجأة انبثق أحد جنود العدو من إحدى الدبابات ووجه نيران رشاشه إلى القوات المصرية في القناة ، وكان بعض هذه القوات قد عبر بالفعل ولم يمض وقت طويل حتى كان هذا الجندي ومعه زميل له قد اقتيدا إلى الضفة الغربية أسيرين . وفي نفس الوقت كان جنود الصاعقة هناك يدقون على أبواب الحصون في حماس ويلقون قاذفات اللهب . وفوق أحد المواقع سيرفرف علم مصر ساعة أو ساعتين .
- وماذا كان رد الفعل ؟
- يا أخي .. مهما اشتعلت النيران في بترولنا أو في بيوتنا فيكفي أن النار التي في صدورنا تنطفئ إلى حين . يا سبحان الله ! كدنا نغرق في المصرف ! وظهرت القرية النائمة بيوتها وسط الشجر . قال العم شعبان :
- لا تأخذ منهم أجرة يا عبد المعين . سأدفع أنا وصمم ودفع . أهم ما في الموضوع أن عبد المنصف وضع يده في يد زينات وصافحها. ترى متى سيحظى ثانية بمثل هذه الهبة ؟!


قريتنا!!

قد لا يكون منطقيا أن تصل إلى قريتنا عبر طرقاتها غير المسفلتة سيارات خاصة حديثة قادمة من بعيد ، يود أصحابها مقابلة أناس من بلدنا ذائعي الصيت يمتلكون - يقال - قوى خفية تفعل الأعاجيب . وما أن تصل سيارة غريبة إلى بداية القنطرة حتى يهرع السماسرة وفي دهاء يسألون الغريب عمن يريد فينطق اسم واحد من هؤلاء السحرة المخاوين فيقول السمسار : نعم الاختيار . ثم يسأله : أسبق لك معرفته ؟ فإن كانت الإجابة بالنفي اصطاده إلى حيث يريد هو . فنانون وفنانات ونجوم مجتمع فضلا عن أثرياء من الخليج . وأهل القرية يوقنون أن أبطالهم دجالون بل ويقاطعونهم فلا يذهبون إليهم في حل مشاكلهم المشابهة . ابتسم بسام البشراوي - ونادرا ما يبتسم - مفسرا إعراض أهل القرية عنه وعن أمثاله : لا تواجههم مشاكل ببركة وجودنا بينهم . إنهم محصنون بنا ولكن لا يعترفون . أما العجوز فله تفسير آخر : لا يطرب المطرب أهل بلده . وكان البحر فقيرا معدما قبل أن يذيع صيته إلا أن الفيلا التي أنشأها وأحاطها بحديقة مربعها أكثر من فدان لها دلالاتها ، يصحو الآن من النوم عند أذان الظهر . يفتح عينيه مطلا على القرية من خلال القبة التي بناها فوق الفيلا ثم يرمق الحشد المنتظر من الغرباء الجالسين على دكة خشبة تحت تكعيبة العنب تهب عليهم نفحات التمر حنة ويصيح فيهم غلامه المعتوه :
- لا ترفعوا أصواتكم وإلا سأقوم بإخراجكم . اقعدوا مؤدبين !!
وهم يقلقون لتأخر نزوله وكل شوية يتساءلون :
- هل هو هنا ؟ ! نحن قادمون من بعيد .
والولد يمصمص شفتيه بعد أن يلحس إصبع العسلية . بعض أهل قريتنا يحلو لهم الجلوس في ساعة العصاري على سوري القنطرة المتقابلين لمطالعة الوجوه الحسان وهي مستقرة في المقاعد الوثيرة للعربات الفارهة التي يسأل سائقوها : أين منزل الشيخ بشراوي أو بحر أو العجوز .فلماذا الكارتات على الطريق هي الوسيلة الوحيدة لأهل القرية هنا ؟ ربما لقلة عدد الركاب . وقد زينت فكرة في رأس حسن بليح ألا يتردد في شراء
تاكسي مستعمل بستمائة جنيه وربنا يرزقه من ورائه بدلا من الاصطباح بوجوه عبد المعين وأمثاله . وعرض عليه الحاج شعبان أن يساعده في دفع الثمن على أن يرد له المبلغ المقترض عند ميسرة .

القفف الفارغة

العم شعبان يريد أن ينفي عن نفسه صفة البخل التي كادت تلتصق به كالغراء منذ أشهر وكانت فايزة أخت زينات قد تزوجت من عبد الله أفندي بدر، وأقامت معه في العاصمة وكل أسبوعين يقول والدها لأمها :البنت فايزة أوحشتني . أعدي الزوادة لنسافر إليها . وقبل الفجر يكون الفرن عامرا بما لذ وطاب مما يحتاج أن يشوى أو يسبك ، وأمامه النسوة يغرقن الرقاق في السمن الفلاحي ويشرف الحاج بنفسه على وضع كل شئ في مكانه المناسب بالقفتين هذا فوق وذلك تحت . وتكون الكارتة قد أتت حتى الباب ،ويحمل صابر إحدى القفتين على كتفه يسندها بيمينه بينما يسراه ممسكة بأذن القفة الأخرى ليساعد الحاج في حملها وقبل الظهر يكونان في القاهرة . يتهلل وجه عبد الله أفندي وهو يفتح لهما متشمما الروائح الدافئة وبعد الغداء يستأذن الزوج تاركا حماه ليحادث ابنته ما شاء لهما الحديث حتى يقترب أذان المغرب فيودع الرجل ابنته التي تمسك فيه ليبيت دون جدوى ويخرج وهو يدعو الله أن يوسع عليها بشقة غير الضيقة تلك فتسأله : أين ستبيت يا أبي ؟ يحمل صابر القفتين الفارغتين ملبسا إحداهما الأخرى ويسأل : إلى أين يا عم الحاج ؟
- إلى نفس المكان يا صابر .وفي نهاية الشارع وفي العمارة الثالثة بعد مدرسة الزهراء وفي الدور
الثالث علوي يقيم محمد أفندي شعـلة . كل أسبوعين يدق الباب وتفتح سعاد وتصيح : أهل بلدنا وصلوا يابابا . فينهض الرجل ويعانق . توضع القفتان الخاويتان وإحداهما في الأخرى ، في ركن لم تفارقهما الروائح الكريمة بعد . وفي حجرة الجلوس بعد تناول الشاي يقيم محمد أفندي صلاة المغرب ويؤمهما العـم شعبان . يطلب صابر الفول السوداني المحمص ليتسلى
- طلبك جاهز يا صابر ولكن حذارِ من إلقاء القشر على السجادة .
- لا تقلق سآكله بقشرة !
ويسهر الأحباب يلوكون الكلام المعاد ويدخل محمد أفندي إلى زوجته التي
فاجأته : هذه القفف الفارغة هي التي نراها. أما ما كان بداخلها فلابنته
فلماذا لا ينام عندها هو واللطخ الذي معه ؟
- حرام عليك . إنهما لا يتناولان عندنا عشاء ولا فطورا !
- لا تشغل بالك . دعهما لي .
- أحذرك أن تسببي لي حرجاً
وكانت المرأة قد جمعت الكتب القديمة والكراريس التي لا يحتاجها الأولاد
ومزقتها جميعا وملأت القفتين وبخيط دوبار أحكمت إغلاقهما وفي الصباح
عندما هم الضيفان بالرحيل قال زوجها وصوته يتهدج :
- هذه هدية بسيطة من الست للست أم زينات !
ملأ الدم وجه الحاج شعبان : هذا واجب علينا نحن لا أنتم . هذا لا يصح
والله العظيم . يا حول الله ياربي.
طوال الطريق يتساءلان عما يمكن أن يكون في القفتين الثقيلتين والحاج
شعبان يلوم نفسه لأنه أخذ بدلا من أن يكون البادئ بالعطاء . وفي المنزل
كانت الصدمة
- إخص عليها المرأة الناقصة ! كيف تهزأ بكما ؟
- إنها تمازحك لاشك
ثم جلس كأنما لا يستطيع مواصلة الوقوف . والله معها حق . نحن ندخل عليهم
دائما بقفتين فارغتين . تخيلي رجلين عريضين كل أسبوع أو أسبوعين يدخلان
على أسرة بها أطفال وليس في اليد غير أذن قفة !

في القرية لم يتحدث أحد بهذه القصة إلا أن الحاج شعبان ما يزال متهيبا أن
يتناثر الخبر فيقلل من هيبته ولذا فهو يقي نفسه بإظهار الكرم للجميع ،
وهو كريم أصلا ، لكنه الآن يبالغ في إظهارهذا الكرم
- المرة القادمة سنأخذ زوادتين واحدة لنا والأخرى لهم
- خسارة في أمثالهم !

آمال هزيلة

ما إن وصل عبد المنصف إلى مدخل الشارع حتى طالعته شجرة ذقن الباشا
بروائحها التي تنعش الروح . قفز من فوق جذعها أحد الأولاد مهرولا ليبشر
الخالة حميدة . تقدم ناحيته أحد جيرانه و حلف بالطلاق أن يحمل عنه
حقيبته حتى باب المنزل . تلقت الأم البشرى من الولد وألقمته قطعة سكر في
فمه وبرزت من الباب تجر ساقيها تجاهه ونظراتها ملهوفة . تشب لتعانقه
وتبوسه في كل موضع تطاله ممطرة إياه بالحنان ، ماسحة جسمه بيديها كأنما
ترقيه من العين . مستديرتان هما عيناها صغيرتان مختبئتان . باس يدها ذات
الوشم الأخضر . تتمتع بشيء من العافية . لايظهر من ثيابها سوى الأسود .
وجهها ملأته أعوامها الستون بالتغضنات . لمح قدميها تحت ثوبها الطويل
حافيتين . من فرحتي لم أنتظر حتى أبحث عن مداس .
البيوت القديمة هذه لها رائحة الزمن المتخمر يتعرف عليه من يعود إليها
بعد غيبة . سألها عن والده . أبوك جمل والجمال لا تشكو ثقل الأحمال .
الحمد لله فهو يتحرك في الدار وأحيانا إلى المسجد وأحيانا قليلة إلى عمتك
صبيحة .
- هل يؤذن أحيانا للصلاة ؟
- لم يعد صوته كما كان زمان . ادخل سلم عليه !
دخل الحجرة متأففا . لماذا تذكر الأحذية المدلاة من أرفف القطار؟ فتح
ضلفة شباك ثم ثبت الشنكل . تغير الهواء الحبيس . جاء مربع الشمس و أنار
. جمع الرجل أجزاءه ونهض . طلب من ابنه أن يقترب ليأخذه في أحضانه . صرت
هزيلا يا أبي كقفص فارغ , أخشى أن أضمك على قدر حناني .أنا بخير ما دمتم
.على حافة السرير اتكأ متناولا كف والده و سأله عن ذراعه المشدود الى
كتفه برباط . ظهر الشرخ في الأشعة . أمرني الطبيب أن أضع ذراعي هكذا رغم
أن الشرخ ليس في ذراعي .إنه هنا . تقلقل ليشير فطلب منه ابنه ألا يتحرك ,
انساب الرجل بالكلام خافت الصوت :الحمد لله الذي أحياني حتى أتممت دراستك
. انتهت مهمتي الآن . أختك متزوجه و معها طفلاها . زوجها صحيح في الجيش
بعد أن استدعوه لكنه يأتي . نحن لم نقصر في حق أختك . تعيش معنا أسبوعا
أو أسبوعين و مع حماتها يومين ثلاثة . زوجها فؤاد ما كانت له هذه البهدلة
أبدا .
- هذا واجب يؤديه يا أبي
- فليكن . و أخوك فهمي مع زوجته و أولاده في طنطا . شيء لله يا بدوي ! و
أنت انتهيت من دراستك و الحمد لله .
و سعل حتى تألم ذراعه و عظامه جميعا و مع هذا أردف : أريد أن أزوجك و أرى
أولادك . أتسمعني ؟ .ثم هدأت ملامحه حتى كأنه ابتسم فكأنما نبتت زهرة في
حقل صبار .ألا تريدون أن نبلط هذه الحجرة ؟
- إن شاء الله نبلط الدار كلها مره واحدة يا منصف
قامت الأم لتمسك ديكا أو دجاجة لإعداد عشاء لائق : أخوك الشاويش فهمي
تزوج و أقام في طنطا و استقر هناك هو و زوجته و أولاده . لم نعد نراه إلا
في الأعياد و المواسم . أخذته مني سميحة بنت بركات سامحها الله أما أنت
فسوف تعمر بيتنا .
و على العشاء جلس الأب و الابن وجها لوجه حول الطبلية ووضعت الأم طعامين
مختلفين أحدهما مسلوق : ألا تأخذ نسيرة تشد بها حيلك ؟
- سآخذ الكبدة . إنها تكفيني . كل أنت يا بني فكثيرا ما أكلنا . نعود الى
موضوعنا : أريد رؤية أولادك قبل أن أذهب . سأبيع قطعة الأرض ...
دائما يتحدث عن بيع قطعة الأرض و هي لا تتعدى نصف فدان يرتع فيها
المستأجر وكأنه مالكها . نظر عبد المنصف في ساعته و قام يصلي العصر قبل
حلول المغرب و نظر لوالده : الا تخرج معي للصلاة في المسجد يا أبي ؟
- سأخرج و أجعلك عكازي
و في الطريق استرسل الشاب في الآمال .. تذكرها . ألم يكن الأجدر بي إقامة
علاقة معها ؟لماذا لم نتقارب خلال 4 سنوات ؟ هو أشجع مني و أجرأ أما أنا
فخجوووول !
- جرام الذهب يا عبد المنصف بأقل من جنيه . لك مني مائة جرام .
ثم وهو يدخل المسجد برجله اليمنى :
- يا رب أدم علينا نعمة الصلاة في بيتك!
- نريد أن نسمع صوتك و أنت تؤذن كأيام زمان .
- فيكم البركة !. قال أحدهم: انظر! لقد تبرع أحدهم للمسجد بمكبر صوت حديث
جدا و لن تحتاج الى صعود المئذنة !
- و هل يوجد صوت أحلى من الذي يخرج من القلب ؟ إنه أحلى ألف مرة من
الأصوات التي تثقب الأذن .
- الدنيا تتغير يا حاج كامل و نحن نساير الزمن !

مفاتيح على صينية شاي

حاول عبد المنصف أن يبعد عن تفكيره الجمله الأخيرة و هو يستعد للصلاة
فلم يفلح إلا قليلا . أي زمان هذا الذي تسايرينه يا قريتنا ؟ إنك منبع
الدجل و بؤرته تصدرينه إلى غيرك من الأماكن . التفكير العلمي هو ما يجب
الوصول اليه أما اقتناء مكبرات الصوت الجبارة و الأجهزة الأخرى فليس
تقدما ما دمنا متخلفين في أسلوب التفكير . ما زال الكثيرون يتمسحون بمقام
الشيخ الكومي طمعا في الشفاء او الإنجاب . ثم لمع بريق البشراوي و البحر
و العجوز و خطف الأبصار فكيف يقول مأذونك : نحن نساير الزمن !
أنسيت يا شيخ خليل ما حدث لك و أنت موظف في البنك الزراعي بالقرية زمان .
ألست القائل إن أي فلاح له واسطة و ظهره مسنود يتعامل مع البنك كيفما
يشاء يتقدم بطلب سلفة تسمين مثلا و ليس عنده ماشية فيحصل على مبالغ طائلة
و غيره من المغلوبين على أمرهم و عنده البهائم و مع ذلك توضع أمامه
عراقيل و عراقيل ؟ أنسيت ما حدث لك عندما أردت الوقوف في وجه التيار .
تحايل أحد كبار الزراع للحصول على أسمدة و سلف نقدية ليس له فيها حق و
حاول ان يرشوك فرفضت فدبر لك مكيدة حيث اتفق مع أحد السعاة على سرقة
مفاتيح الخازنة: تدخل مكتبه عندما تلمح المفاتيح أمامه على المكتب .
تقدم له الشاي على الصينية و تشاغله بتقليب السكر له . و في لمح البصر
تضع المفاتيح على الصينية و تحملها و تخرج بعد أن تترك له كوب الشاي
أمامه . ساعة زمن واحدة أكون قد نسخت المفاتيح و أعيدها اليك فتعيدها
اليه .
و لم تكد المفاتيح تسرق حتى تنبه خليل افندي لغيابها فسأل عنها فأنكر
الجميع . لم يوجه الرجل الثائر اتهاما لأحد عندما جاءت شرطة النقطة و قام
الضابط بإغلاق الجمعية بالشمع الأحمر إلى أن جاءت لجنة و جردت .و قام
البنك بتغيير الخازنة و الاقفال و المفاتيح ووجهت تهمة الإهمال لخليل . و
بعد تحقيق طويل ثبت حسن النية فلم يعاقب إلا بالنقل و لكنه استقال و تقدم
للعمل كمأذون . و جاء البديل و فعلوا معه الشيء نفسه بطريقة أعمق خبثا
فسرقوا و نهبوا ...
البنك يعطي الموظف ستين طنا يوزعها على الفلاحين فيقوم ببيع أربعين
لحسابه في السوق السوداء و لا يوزع سوى الباقي . و الفلاحون الذين لا
يعرفون القراءة و الكتابة .. يا ويلهم ! كل هذا و تقول : نحن نساير الزمن
.

حدائق النزهة

استعاذ بالله من الشيطان الرجيم و صلى ثم .. بعد أن أعاد والده الى
المنزل خرج ليتمشى فلن يمكنه أن ينام قبل أن يرى شعاع القمر ينسكب على
واجهة بيت زينات و على النخلة و السور و الشباك .و من يدري فربما يلمح
ثوبا من ثيابها ما زال معلقا على حبل الغسيل فوق سطح الدار !! الشبورة
مسيطرة . الهواء حبيس هذه الليلة. و في حجرتك بالمدينة الجامعية , بعد أن
تفرغ من بايرون و هاردي و اليوت , تطل على الطريق المؤدية إلى حدائق
النزهة و انطونيادس وتلقي بصرك إلى الحقول من جهة وإلى العمائر من جهة
أخرى . توحي المساحات الخضراء بالبساطة و الشفافية , و كذلك جداول المياه
الرقراقة و النباتات التي تصر إصرارا على ممارسة الحياة , و ثمة مسجد
صغير يتوارى في البعيد يذكرك بقريتك . هنا الأرض و النسيم المعطر بأريجها
.. و في الناحية الأخرى و خصوصا مع قدوم المساء تنتصب العمائر شامخة تضيء
نوافذها في الظلمات : مربعات من الضوء يعلو بعضها فوق بعض تتناثر في
الأفق .خلف كل نافذة يتخيل رجلا و امراة يعيشان قصة من القصص و خلف كل
نافذة مغلقة رجلا و امراة يفعلان ما لا تجرؤ عليه . و يوحى اليك المساء
بالشهوة و تفتح لك الرغبة فمها عن لسان هائج فتتذكر سوزي زميلتك في قسم
اللغة الانجليزية . هذه الفتاة التي تصلح أن تكون راقصة محترفة . ثم إنها
تنطق الانجليزية كذوب السكر . العري هو ما ترتدي . لو كانت معي الآن في
حجرتي هذه . على سريري هذا .رغم أنك في الكلية تعاملها بجفاء و الجميع
يتوددون اليها . كيف ستصبح هذه قدوة لتلميذات ؟ و الآن عليك أن تقوم ببعض
الرياضة لمجابهة عادتك السيئة . إنك ذو عزيمة .هيا . الرياضة البدنية
رياضة نفسية أيضا . أغلق حجرتك و سارع بالنزول . انطلق عدوا حول سور
المدينة الجامعية حتى تعرق . در دورة اخرى .
- هذا افضل !
عاد الى حجرته متعبا و لسان حاله يقول و كأنما يصدر أمرا غير قابل
للمناقشة : دمرت نفسك بالتمرين .. و الآن دمر نفسك بالاستمناء !! لكنه
قاوم : زينات يا طيبة القلب ! فليشرق وجهك في سماء روحي !

جلبة آتية من الردهة اقتحمت تقوقعه . طرقات على الباب فلم يرد أول الأمر
متصنعا النوم . لماذا كل هذا السهر أيها الشبان ؟ وجدهم مصممين فقام
متثاقلا و أدار المفتاح و هو يفرك عينيه و كأنما نهض لتوه من سبات . قال
أنس طالب الصيدلة بصوته الجهوري :آسفون على الإزعاج و لكن الأمر هام و
عاجل . قررنا القيام بإضراب عن طعام العشاء غدا . أنت تعرف أن العشاء
يوم الاثنين قطعة حلاوة و بيضة مسلوقة و رغيف . هذا عشاء لا يكفي طفلا في
الحضانة . سيكون هذا بمثابة إنذار لإدارة المدينة الجامعية .
فكر عبد المنصف أن يرفض و لكنه تحاشى سطوة أنس .
- ما دمتم قررتم فلا مانع .

إن الطالب لا يدفع سوى خمسة جنيهات شهريا مقابل السكن في حجرة مستقلة بها
سرير و دولاب و مكتب و أباجورة و كليم على الارض و ثلاث وجبات طعام ،في
الغداء سمك أو لحم أو فراخ . في كل دور فراش لتنظيف الطرقات و الحجرات
بالماء و الفنيك ....
- حاضر يا أنس ! يا أمي .. ألا يوجد سوى الفول على العشاء ؟
- عندك عيش ناشف في السبت تحت السرير , و عيش طري في السبت الثاني و ضعت
البرسيم فوقه ليظل طريا !
- أليس عندكم بيض ؟
- سأبحث . ربما تكون الدجاجة قد باضت .

ألاعيب رأفت القاتم

و هو خارج في الصباح أعطاه والده جنيها يتحتم أن يكفيه أسبوعين مصروف يده
. اشترى الجريدة بقرشين و على القنطرة جلس يتصفحها . تذكر أن له جنيهين
عند زميله رأفت القاتم . لماذا لا يطالبه بهما ؟
في آخر أيام الدراسة و قبل الامتحانات جاءه رأفت القاتم الطالب في كلية
الهندسة و طلب منه قرضا حتى العودة للقرية و أقسم أن يردهما اليه عقب
الامتحانات مباشرة و ربما قبل ذلك حين أقبض راتبي من الشركة التي أعمل
بها !! و ابتسم .كان يتكلم و يؤكد و عيناه العسليتين تصدقان . و لأن موعد
الغداء قد أزف قال رأفت : لماذا لا تعزمني لأتغدي معك في مطعم المدينة ؟
- هذا المطعم خاص بالطلبة هنا
- و لكني أريد أن أذوق طعامكم يا أخي ! لا تقلق .سآخذ بطاقتك و أدخل بها
المطعم أما أنت فهم يعرفونك و إذا سألوك قل لهم : نسيتها .
وافق على مضض . و في المطعم كان رأفت يأكل بشراهة و سأله عبد المنصف عن
الشركة التي يدعي أنه يعمل بها ما حكايتها ؟
- سأحكي لك . فقط أستحلفك بالعيش و الملح هذا ألا تخبر أحدا هل تعرف من
الذي يقف وراء تعييني ؟
- من؟
- جمال عبد الناصر . أرسلت خطابا الى إبنه خالد و قلت له إنني طالب مثلك
في كلية الهندسة لكني عاجز عن الانفاق على متطلبات الكلية و أفكر في
تركها لسوء أحوالي المعيشية إلا إذا شملتني بعطفك و رعايتك ..
- أفكار الأبالسة .حلو و كداب ليه صدقتك !
- أقسم بالعيش و اللحم أني لا أكذب . استدعوني بعد إسبوعين إلى مبنى
المحافظة و سألوني ماذا أريد بالضبط . فتم تعييني في إحدى الشركات بعد
مكالمة تليفونية و قابلت المدير الذي احترمني و طلب لي قهوة و قال لي :
نظرا لدراستك فإنك ستاتي إلينا أول كل شهر لتاخذ راتبك و لا تعطل نفسك عن
المذاكرة ..
و لاحظ عبد المنصف أن رأفت يأكل بالشوكة و يترك الملعقة نظيفة و تبين سبب
ذلك : كي لا تلوث جيبه عندما يسرقها !
مر أسبوعان و عادوا إلى القرية و أرسل عبد المنصف يطلب الجنيهين فبعث
رأفت اليه بأخيه و معه مظروف مغلق فاندهش و فتحه فوجد الجنيهين . حمدا
لله . و لكن ماذا بالورقة المرفقة ؟ أخرجها و فتحها و قرأ ما فيها :
إذا جاء العيب من أهل العيب فليس بعيب !
اقشعر بدن عبد المنصف و تساءل :
- أأنا من أهل العيب يا رأفت يا قاتم ؟!

صيفية مختلفة

إن كان عبد المنصف يحلم بالزواج من زينات , فماذا عن مجاهد ؟ أيفكر
الآن بالزواج ؟ و إذا ما فعل ألا يكون متعجلا ؟ في الثانية و العشرين ما
يزال و يعشق الحرية فهل يضع بيديه القيود حول معصميه ؟ أحقا يرغب في
دخول القفص أم إنه فقط يلاعب غريمه ؟ قليلون هم الذين يتزوجون هذه الأيام
. من لهم حق المعافاة من الخدمة العسكرية و مجاهد ليس منهم . هذه الصيفية
ليست كسابقاتها . إنه فعلا ما يزال مرتبطا بالأرض . عليه النهوض مع الفجر
و يركب الحمار ليسحب الدواب خلفه الى الغيط . يضع لها العلف و البرسيم .
عمل كثير ينتظره . ينقي الحشائش من القطن أو قل ينقي القطن من الحشائش،
ثم سقاية الأرض كل أسبوعين، يضرب القنوات الجافة بفأسه لتسليك طرق اندفاع
الماء و اندفاقه , يحصد سنابل القمح بالمنجل و بعد جمع السيقان يكون
الدراس لفصل الحبوب بواسطة النورج الذي تديره المواشي ثم عمليه التذرية
في الهواء بالمذراة , عمل شاق في انتظاره طوال الصيف و كانت اسكندرية هي
المكان الأمتع في العالم . استمتع فيها بأشياء و أشياء و كان يسكن كل سنة
في مكان و كيف له أن ينسى الحضرة ؟ تلك العمارة العتيقة في حارة جحا
المطلة بجانب على شريط السكة الحديد . بعد مغيب الشمس كان يطلع إلى السطح
خلف عشش الفراخ و تصعد بعده مديحة و عندما مس بشفتيه خدها أول مرة سألته
: ماذا فعلت يا فلاح ؟ سأعلمك كيف تكون القبلة !
و ضرب فأسه في القناة ليخلع العشب المتطفل من جذوره . كأن ريقها ما يزال
ينبع في فمه . قال أخوه شوقي :اختك نظيرة هناك هي و أولادها تساعد أمنا
في إعداد العشاء .
- ذبحوا ؟
و عند الظهر جلس مجاهد و أخوه تحت توته ، وأخذ يفك الصرة التي يلف بها
ما جلبه من طعام . فرشها على الأرض ووضع فوقها طبقين أفرغ في أحدهما عسلا
أسود من برطمان صغير و في الآخر جبنة قديمة يتقافز منها الدود ثم فرد
فطيرتين . بينما قلة الماء مكسورة الحرف تنتظر من يرفعها الى شفته . و لم
تكن مديحة هي المتعة الوحيدة بل ولا حتى المتعة الأكثر أهمية لمجاهد بل
الصداقة و الأصدقاء و انطلاق الشباب و التهريج في ساعات المرح و إعداد
الطعام بطرق مبتكرة لا تقبلها أية ربة بيت على الإطلاق . العدس هو الوجبة
المفضلة حيث توضع قطعة السمن البلدي في حلة على النار ثم بضع بصلات يقوم
أحدهم بتقشيرها و تقطيعها قطعا كبيرة ووضعها في الحلة حتى تصبح صفراء ثم
تخرط الطماطم دون تصفيتها قطعا كبيرة أيضا ثم يوضع العدس المغسول في
الحلة يضاف إليه بعض الماء و قليل من الملح . الطماطم في حجم البصل في
حجم كمية العدس و العدس في حجم الماء . بالتساوي . رآهم عبد المنصف ذات
مرة فقال : لو دفعتم لي مال قارون ما تناولت من هذا ملعقة !
-اسكت يا بتاع المدينة !
و في أمسيات الخميس تكثر الأفراح و الليالي الملاح فيخرجون قاصدين أماكن
بعينها باحثين عن حفلة عرس تدق فيها الطبول و يلعلع الغناء فيدخلون .
يستقبلهم أهل العريس على أنهم من أهل العروس و العكس بالعكس . يتفرجون و
يأكلون ثم يعودون للمذاكرة . و في الصباح يلتقي مجاهد بزينات . إنها تمثل
البراءة الحقيقية . صفحة بيضاء مازالت مثالية .قد يخفق قلبه لها حتى و هو
يحتضن مديحة . هكذا يقول . فماذا عن قلبها هي ؟ و هاهي سنوات الدراسة
انتهت و جمعت بينكما القرية أو قل باعدت بينكما القرية لأنه لن يحدث لقاء
يومي كما كان الحال أيام الكلية . إنك تتمناها و تحن إليها و لا مكابرة ,
تحدث إلى والدك أو والدتك ..
- تعال يا مجاهد ساعدني لأتوضأ ..
جالسة على كرسي خفيض و أمامها إبريق ماء و الطست الصغير فأخذ يصب لها
لتغسل يديها ووجهها ثم تناولت الإبرييق منه لتريقه على قدميها و هي
مستمرة في أدعيتها
و قال لها بعد الصلاة : لقد انتويت الزواج يا أمي !
- نعم ؟ قبل أن تتوظف ؟ إذن فانت حاطط عينك على واحدة
كان ذكر البط يكاد يقتل أنثاه المستسلمة تحت جرمه الهائل و هو يفح فحيحا
و يمسك رقبتها المنحولة بمنقاره كي لا تفلت منه و تميل بذيلها إلى هذه
الجهة أو تلك لتعينه على ما يفعل .
- أأعرفها ؟
- ابنة الحاج شعبان المرسي .. زميلتي
- أبوها زين الرجال
امتلا فراغ الباب بجرم والده قادما .حدثيه أنت في المساء يا أمي !
- بل الآن . مجاد يريد يد زينات بنت الحاج شعبان
- أعرفها منذ كانت طفلة يأخذها والدها في يده و يذهب بها إلى محل سالم
الحلواني يشتري لها الحلوى و الكراملة . طول عمرها معززة .أبوها رجل طيب
و أمها ست محترمة . أمها من عائلة حجازي .
- ما رأيك يا أبي ؟
- الرأي لأهلها . لا أحد في هذه الأيام يعطي ابنته لمن ينتظره التجنيد .
الذي يدخل لا يخرج .
- الى هذه الدرجة ؟

مطارات الجن

هل أنت متحجرة يا قريتنا راضية بتحجرك ؟ أم تنتظرين من يرفع الغطاء
عن عينيك و يرفع وجهك إلى السماء لتحط على تقاطيعه طيور الشمس ؟ كان مقام
سيدي الكومي المبيرك يجذب نساءك و نساء القرى المجاورة الباحثات عن
الإنجاب أو الللائي هجرهن الأزواج و من انكوى قلبها بفراق محبوبها . كن
يسعين قاصدات المرقد , حاملات الشموع يوقدنها و يكنسن الحصير و يقبلن
حرير المقام الأخضر المزدان بخطوط الآيات و يصعدن الى أعلى مئذنة المسجد
فيشهقن إذ يطالعن العزبة المستكينة تحت العلو الشاهق فلعل المفاجأة
تساعدهن على التهيؤ للحمل . كان هذا عهدا طويلا و أخذ في التلاشي تدريجيا
منذ نجح السحرة و اغتنوا . و كان الشيخ عبد الفتاح الطاهر ينادي بالعودة
إلى الدين الحق ونبذ الخرافات بأنواعها و مازال يصيح : يا أهالي قريتنا .
إنكم ترون المنكر ولا تحركون ساكنا ، و ذهب لمقابلة العمدة الذي رفع
عمامته وهرش رأسه الحليق:هل أصابك منهم ضرر ؟ هل داس أحدهم لك على طرف ؟
هل وضع أحدهم يده في جيب أحد من الناس و أخذ أمواله قسرا ؟
- لا يا حضرة العمدة
- إذن فاعلم يا شيخ أن رزق الهبل على المجانين ثم .. لماذا تتضايق يا أخي
؟ إن الغرباء يأتون إلى قريتنا و يدفعون . ربما يتبرع من تسميهم بالسحرة
لبناء جامع أو مستشفى أو معهد ديني !
- أعوذ بالله . إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا . هذا المال حرام و لا يجوز
أن ينفق في أعمال الخير يا عمدة .
- حيرني أمرك يا شيخ . إذن ينفق في فتح مواخير و غرز إن كان ذلك يرضيك .
أقول لك : يساهمون بها في عمل مجاري صرف . ما رأيك ؟ المجاري مطلب هام من
مطالب القرية .
- أتهزأ بي يا جناب العمدة ؟ لماذا لا تبعث برجالك لإغلاق هذه الأماكن
- ليس هذا في إمكاني . أولا : لأن أحدا من هؤلاء لم يهدد الأمن و ثانيا
لأن هؤلاء واصلون . لهم شوكة حادة فبعض الكبراء يأتون إليهم و يجلسون
قدامهم كما تجلس أنت قدامي الآن . صح النوم ! و ثالثا : اشرب قهوتك فأنا
عندي مشاكل أهم من ذلك و دماغي يوجعني .هات اسبرينة يا واد يا منجل . يا
ولد يا منجل يا أطرش ! هات هبابة ! يا ولد ! قل للشيخ ماذا رأيت بالقرب
من دواري و كأنما للسخرية مني . ماذا كان في اللفة إلى جوار سور الدوار ؟

لقيط جنب السور

ابتسم منجل ابتسامة بلهاء و هرش في قفاه ثم تمتم:
- طفل مولود يا جناب العمدة يقول : واء واء
- أسمعت يا شيخ عبد الفتاح ؟ أنا معك إن غضب الله آت لا محالة و أنت
تتحمل جانبا من المسئولية لأنك تخطب الجمعة و الناس ينعسون أمامك حتى
تكاد أدمغتهم تتخبط في الأرض و هو مقرفصون على حصير المسجد . لماذا لا
تشد انتباههم بغير الجعير ؟ لماذا تتركهم ينعسون ؟
- و لماذا لا تسهر أنت على الأمن ؟ هه؟ لماذا تسكت على الدجالين ؟ الخطوط
موصولة إلى بعضها يا حضرة العمدة . هل عرفتم أهل الطفل ؟ حسبنا الله و
نعم الوكيل .

عقاب سريع المفعول

و كاد يتعثر عند عتبة الدوار و طرد عن خاطره وسواسا يزين له أن
العمدة يأخذ نصيبه من هؤلاء الدجالين مقابل سكوته عن جرائمهم , استغفر
ثلاث مرات : إن بعض الظن إثم ..
عاد الشيخ إلى الكتاب فصاح الأولاد و زاطوا : الشيخ وصل . مولانا جاء .
و يخرج المفتاح من جيبه و يسمي فيندفعون داخلين و معهم ألواح الاردواز و
الشيخ يقول لهم :
- أنتم مستقبل قريتنا و أملها . أنتم العودة إلى كتاب الله و إلى لغة القرآن .
و لمح طفلا جديدا يبدو أنه ابن ناس .. ملابسه و الساعة القيمة في معصمه
.. كم الساعة يا بني ؟ فلم يرد . إنه لا يعرف الوقت .
- ما اسمك يا جميل ؟
- فوزي بسام البشراوي !
- اما زال ينجب ؟
- أنا أصغر أبنائه يا عم الشيخ
و عاهد نفسه أن يعلمه مجانا و عندما رفض أخذ أجره استدعاه بسام فذهب إليه
و لم يتناول شايا ولا قهوة بل واجهه :
- متى سيتوب الله عليكم لتتوبوا ؟
- هكذا يا شيخ لماذا لم تأخذ أجرك ؟
- لأنني أشك في نقاء المال يا أبا فوزي .
- أحترم جراءتك و لكنني سأفهمك . أنا أحل

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
©2026 جميع حقوق الطبع محفوظة ©2026 Copyright, All Rights Reserved