لحظات رهيبة  في سماء بيروت

2020-08-08

كل معلقات العرب والعالم لم تعد تساوي شيئاً

بعد وقوع الإنفجار الرهيب، ولا تعادل

 نقطة دم واحدة نزفت من بيروت

في المرفأ والأشرفية والجميزة وساحة ساسين

ومار مخايل.. وعين المريسة وكورنيش المنارة

 

 ولا تساوي حجرا

 تداعى وسقط من حائط منزلٍ

في المناطق المنكوبة

 

 والشكر لكِ مع التقدير عزيزتي القارئة من فلسطين

"فليس يبكي لشجو الحزين.... إلاّ الحزينُ"

 يسلِّم خاطرك يا رب.. ويبقى العزم والأمل

أن يتعافى الجميع ويعود الواحد منا يكاتف الآخر

 

يدا بيد وقلبا على قلب وعرقا يتمتزج بالعرق

 ودمعا عزيزا غاليا على من قضى شهيدا

أو من بقي تحت الركام

  لنعيد معا.. ولو بالوحدة العاطفية

 بناء بيروت مدينة جميلة كالأحلام

 

 عصر الرابع من آب  2020

تاريخ لن يمحى.. من الذاكرة

 

 

كنت أفتش مرة عن مفعول وآثار القنبلة النووية، التي ألقيت على هيروشيما، ووجدت صورة عن الإنفجار بجانب التحقيق، ولو أنني لا أدري إن كانت الصورة تعود لوثيقة حقيقية أم لا ؟ إلاّ أن  ما حدث عندنا بالأمس كان مماثلا لانفجار هيروشيما .

 

تلا الإنفجار وأنا أشاهد ما جرى من شرفة بيتي في رأس النبع، المنطقة القريبة من الأشرفية والمرفأ والسوديكو، سحابة تكونت على شكل فطر من دخان كثيف ولهب، ارتفعت عالياً للتو فوق المنطقة المحاذية لنا من الشمال الشرقي، وتبدّلت ألوانها مع مرور الوقت من الأحمر بلون الصّدأ، إلى البنيّ القاتم فالرمادي الداكن.. قبل أن تتحول إلى غبار بفعل انفجار مخزون هائل من مادة "الأمونيوم"-  في مستودع رقم 12 في المرفأ كما عرفنا لاحقا - وقد بلغ   2750طنا كما تردد حتى اليوم . لينتشر الغبار الناتج عن الإنفجار المريع ويتلاشى رويدا رويدا في سماء المدينة، ويغيب عنها بعد ساعات طويلة . والحقيقة أنني خلال الحرب الأهلية، التي عشتها بأدق التفاصيل من بداياتها حتى النهايات، لم أرَ وأسمع مثيلا لهذا الإنفجار .

 

للوهلة الأولى تراءى لنا الإنفجار في المبنى المجاور، ونحن نقطن بعيدا من مكان الحدث ثلاثة كيلومترات وأكثر، فتعالى صراخ زوجتي وبدأت تتحرك في كل الإتجاهات، كمن أصابه مس من جنون دون أن تفعل شيئا، أو تهدأ وتتوقف عن العويل، حتى بدأتُ الصراخ بدوري في وجهها لأردّها إلى رشدها، بأننا لم نمت وما زلنا على قيد الحياة . فاستسلمتْ وسكنت قليلا ثم ارتمت على مقعد مجاور متهالكة مستسلمة للبكاء . ربّنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، فأنت التواب وذو الفضل العظيم . كفانا.. كفى عبادك يا ربي فلسنا من قوم لوط لتجربنا بمعاصي ساستنا وتبتلينا بحاكمينا .

 

مش ناقصنا يا ربنا ورب العالمين، موت وخوف ودموع ودمار وتلوث، وفساد بكل المعاني، وانتشار وباء أشد وأدهى من الهواء الأصفر، وانهيار قيمة المال والأخلاق، وجوع  تجاوز العتبات وبات وراء الأبواب..  فأنت ربنا ورب العالمين .

 

تردد صوت الإنفجار حتى خلته في اللحظة الأولى هزة أرضية ضربت أنحاء البلاد، ووصل صدى الإنفجار إلى كل المحيط، ثم تجاوز لبنان عبر البحر حتى بلغ جزيرة قبرص . هكذا وجد الناس أنفسهم أمام مأساة كاملة التفاصيل من الموت والخراب .

 

لكن ما حدث للأسف لم يُوَحِّد القلوب، ممن أعمت الأحقاد بصيرتهم فانتهزوا الكارثة، لِيُصَفّوا حساباتهم ويصوبوا قذائف ضغينتهم على "الأعداء" . بصرف النظر عن أسباب ما حدث، سواء عن طريق الخطأ والإهمال وربما خلل في الإدارة أو التخريب المُدَبّر؟ فإنه ليس إلاّ تداعياً أخلاقياً أشد خطورة مما أصابنا في الصميم، قبل أن يسببه لنا الخارج المتهم "بسوء النوايا" . وقد بادرت مشكورة دول المنطقة وسائر بلدان العالم، بإمدادنا بمختلف مساعفات الأدوية وسواها من الحاجات .

 

من رأى وسمع بعض المعلقين، على الشاشات عشية يوم الفاجعة، وهم يستثمرون في المحنة المأساة ؟ لأدرك على الفور عمق الفجوة  في متاهات قلوبنا وعقولنا، وتأكد له أن المصيبة عندنا لا تجمع.. بل تفرق . ربما سنختلف كيف نغسل ونصلي وندفن موتانا.. !؟ لا شيء يمكن قوله أبلغ من منظر أشلاء الضحايا، والعظام البارزة من خلال الجلد واللحم على  الطرقات، والجرحى والقتلى ممن لم تعد تتسع لهم المستشفيات . والدمار الهائل الذي ينذر بمزيد من الضحايا والمفقودين، ومن تداعي الإقتصاد المتآكل . لعلها مناسبة جديدة للفساد وتكديس الأموال ؟ ولو من مساعدات المنكوبين.. هؤلاء هم حكام البلاد !

 

أتمنى هذه المرة أن لا يخيب رجائي، وتأتي الريح وفق ما يشتهي الشراع، فلا يجهضوا التحقيق وقد بدأ بعض المحسوبين على جهات مختلفة من التيارات، يتقاذفون الإتهامات عن مسؤولية تخزين الأمونيوم، والقضاء لم يباشر تحقيقه بعد .

 

ولئن عجزت السلطة التي فقدت ثقة شعبها، أقله  في استعادة أموال المودعين من المصارف، ليضمدوا جراحاتهم ويرمموا ما تهدم من منازلهم وشركاتهم ؟ تبقى الفرصة متاحة أمام هذه الحكومة وأمام الأمن والقضاء، ليستعيدوا ثقة المواطنين فلا يسرقوا المساعدات، ويبرهنوا عن عزمهم على المحاسبة، بإدانة المقصرين أو المرتكبين لما حدث، وأولى الخطوات الصحيحة اقتضت منع سفر وتوقيف، بعض من تشملهم شبهة تخزين الأمونيوم، ممن تسببوا في الخراب ونزف الدماء .

 

 

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
©2024 جميع حقوق الطبع محفوظة ©2024 Copyright, All Rights Reserved