"ما شككتُ قط،
وأن جدوى الحياة، إنما تقوم في أن أؤدي لها،
ذات يوم، خدمة مرموقة،
وأن فرصة هذه الخدمة ستواتيني".
(ديغول ـ المذكرات: النفير)
هل للفرد دور في صناعة التاريخ؟
يرى الجنرال ديغول، أن دوراً مهماً للفرد في صناعة التأريخ. وما يقول به جنرال التحرير والأمل والثقافة، يقول به أيضاً نفر غير قليل من صناع الأحداث، وأبطال المهمات الكبرى في تاريخ البشرية.
ويرى آخرون، وهم كانوا ذات يوم يصنعون التاريخ في بلدانهم كما في خارجها، أن "الجماهير" هي التي تؤدي هذه المهمة الظافرة، وأن "الشعب" هو سيد الكلمة في هذا الشأن.
وبين الرأيين كان خلاف ونقاش وحوار، انتقل إلينا في عقود حاسمة من حياتنا، من بينها سنوات النصف الأول من القرن الماضي، حيث شهدت بلادنا العربية تناسخ نماذج عربية لحالات في بريطانيا أو أمريكا أو فرنسا أو روسيا القيصرية والشيوعية.
وفي خضم ذلك الصراع الفكري، الذي اتخذ طابع العنف، بل والعنف الشديد في أكثر الأحيان في عدد من البلدان العربية، كان ينمو نمط من الإرادة العربية، يحاول أن يتلمس دوراً خاصاً في هذا الجدل، ويبني عليه ليكوّن مهمته والأجيال اللاحقة.
هذا النمط العربي الجديد، تخلو أمامه الساحة العربية، من غير إرادته في أحيان كثيرة، أو يشق طريقه في غمار آلام ومصاعب ومحن وخسارات ضخمة في أحيان قليلة جداً.
إن سقوط أنموذج "المستبد العادل" العربي مع بدايات النصف الثاني من القرن الماضي، وافتضاح الطابع اللاإنساني للنظام السياسي العربي الذي تولد، أو تصنّع، في تنانير الحرب الباردة بين الرأسمالية والشيوعية قد جعل القول إن "الخيار الثقافي" هو الأمل الذي لن تستطيع المهارات المعادية لطموحات شعوبنا، القضاء عليه في ضمير كل واحد منا.
و"الخيار الثقافي" مستنداً إلى الفهم الأوسع والأشمل للثقافة ودورها في حياتنا بعامة، هو الذي يعيد إنتاج آمالنا المهانة، وأحلامنا المغدورة، وحيواتنا المنكسرة، وأحزاننا الضخمة، ويحوّلها إلى حياة جديرة بأن تُعاش وتليق بنا أيضاً.
إن من هو جدير بهذا "الخيار الثقافي"، لا تكسره الأحزان الشخصية، ولا تفتر من همته نذالات أصحاب النفوس الواطئة، بل ولا تثنيه عن التصدي لهذه المهمة النبيلة حتى الخيانات التي منبعها مواطىء القدمين، لأنه هو النموذج الذي كفّته تعدل كل النماذج الأخرى في الكفّة المناوئة له.
رموز هذا "الخيار الثقافي" في وطننا العربي، تدرك تمام الإدراك، كما أدرك الجنرال ديغول حيال بلاده التي إذا حدث "أن اتسمت افعالها ومآتيها بما يخفض من مقامها أو يجعلها غير متقدمة، يخالجني حيال ذلك، إحساس بشذوذ غير معقول، ينبغي أن يُعزى إلى اخطاء الفرنسيين، لا إلى عبقرية الوطن".
وطني على حق .
جمعة اللامي
Juma_allami@yahoo.com
www.juma-allami.com