رواية نيران طرفي النهار/ 12

2022-03-02

 

تمسح الغبار عن كتاب - رحلة سلام الترجمان إلى حصون جبال القوقاز عام227 هجرية .  يلتفت إليها، ينبهها إلى أن هذا الكتاب، هو تكليف من الخليفة العباسي "الواثق"، للبحث عن سد -يا جوج وما جوج- ينفلت من جانبها وقد بدت ضحكته مرتفعة، لم تهتم بضحكته . غضب وخرج، تركها تمسح الغبار عن كتاب لم تستطع أن تضم حروف عنوانه، لأن بعضها اختفى من جرّاء تنقله  بين عدة مدن، من حي- قاع وردة  بمكناس، إلى حي -التارنج بالرباط، تضع الكتاب برفق وهي تتساءل عن سر ضحكته المرتفعة، لعله تذكر نكتة حكاها له صديقه "بديع" بمقهى -الجمرة، تترجاه،  تريد أن تعرف سبب هذه الضحكة .

"بديع" يسأل زمرة من مريديه المترددين على مقهى -الجمرة- عن أجمل قُبلة ؟ استعصى عليهم الجواب، قال لهم متبجحاً وكأنه شاب في الأربعين وليس مسنا في الثمانين :

- أجمل قُبلة تحصل مرة واحدة، في لحظة مثل الموت، وهي قبلة قصيرة، قصيرة قصيرة... قصر الرغبة .

ظل أمر هذه القبلة عصيا على الفهم، من طرف أصدقاء "بديع".يتوسلون، أن يحدثهم عن الرغبة التي تحصل في لحظة .  السيف يُقَبِّل والبُندقية لا تُقبِّل، هو يفكر في الرغبة.هي تفكر في الحب، تردد قطعة شعرية لصديقتها التي تقيم ب -هاملتون :

-أنت الواحد الذي هو أنا

يقولون أني أحب

لا، بل أنا أحب نفسي

أنت أنا

تهمس :

-أنت  هو أنا أنا أحب نفسي .

الحب ليس مرحلة  تاريخية انتهت، الحب  كيان واحد مستمر، قُبلة مصحوبة ب بُندقية، في شعر "محمود" قبلة مشبعة بالتحولات السياسية التي عاشها والتي دفعته إلى زحزحة عرش الحب من التراث الشعري .. قبلة تتحرك من مكان مغلق إلى مكان مفتوح، وذلك من خلال الوقوف على تحديث وتجديد مفهوم قُبلة وتحريكها من مصعد ضار إلى شارع نافع، من رمح إلى بندقية، يحصل التغيير الذي يخلق لغة الحوار والنقد البنّائين الهادفين إلى النفع والمبتعدين عن الضرر، والتنصل من الماضي والاقتراب من الحاضر الذي هو المستقبل، نرى حِراك الشارع يعلن غضب الشعب الذي فقد الثقة في الأحزاب، التي لم تنفّذ وعودها .

يتذكر حديث "بديع" لأصدقائه في مقهى الجمرة- دخلتُ المصعد وأنا أردد باسم الله بمجرد ولوجي، صادفت صبية فاتنة بسروال جينز ممزق حد الركبتين، بَرَقَ تُبٌانٌ وردي، موقع ب "فيكتوريا "سيكريتس، خفق قلبي، وهاج شبقي واستولى عَلَيٌ الشيطان .

"بديع" واهِن العظم، لاهِث النفس، مترهل الجسم، قصير القامة، أسمر اللون، جاحظ المقلتين، انفلتت من تحت إبطه جريدة، سقطت انفتحت على عنوان كبير- داعش هي إسرائيل-  ضغط رقم 6على اللوح، ضغطت الصبية  رقم9، لحظة شعر بالرغبة، اغتصب نظره سروال نازل وتُبٌان ظاهر، لم يستطع غض بصره عن الصبية، إلى أن سجل رقم6، ليعلن عن انفتاح الباب، لحظة حصلت له الرغبة، سَوى قبلة  خفيفة على خد الصبية،  وانفتح الباب، خرج وقد اندلعت في جسمه نيران، حصلت له أجمل قبلة في تاريخ سجل القبلات البشرية .

تمسح الغبار وهي تتذكر أختها "فدوى"، عندما كانت تسمع أخبار بعض الرجال المُسِنين بعيون حمراء خانقة وشوارب  كالحة، يغتصبون ليشيرات،"فدوى" تحترق نيران داخل كف يدها لا تلقي بالجمرة على الأرض، تنتظر إلى أن تنطفئ الجمرة، هكذا علّمتها جدتها لتكون امرأة صَبُور،  سبق أن حكت لها الدكتورة "إيزابيلا" أن المسنين  في أمريكا لا يغتصبون الصبيات، يشاهدون في مرقص خاص بالمسنين صبية ترقص عارية منبطحة على عمود بأعلى السقف، تتمدد بتشكيلات مختلفة على أسلاك  فضاء مرتفع تلوح بالعصا، تحرك كفلها المكور والمصنع من البلاستيك،  بحركات مرتبة أنيقة صبية دون العشرين سنة، آية في الجمال، ترقص للمسنين في مدينة -أورلاندو ، الراقصة صبية  محصنة عفيفة زوجة وأم وطالبة بالجامعة،  إنها زوج ابن "إيزابيلا".  مثل هذا الرقص حكت لها عنه إحدى الطالبات أنها حظيت بأن تلج صفوف الراقصات في قصر خليجي، الراقصات يرقصن على أرض سافلة وليس على أسلاك عالية، السلطان المسن يلوح بعصاه، يقلب الكفل لحظة، تتحرك عنده الرغبة. ينتشلها من قبلة لمعت وجمرة احترقت وعصا لوحت. يقول لها :

- أنا سِمْيوجِسْيَان لست مِيكَانِسْيَان.أنا الذي صمم تُبٌان مُونْتِريالي سنة 2019 وليس "لويس" الذي صمم تُبٌان بِيكِينِي سنة 1949 .

لا تلتفت إليه، تتساءل في صمت حزين :

-هل التُبٌان مرتبط بالحرب ؟

"لويس" صمم تُبٌان بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، صاحبها يصمم تُبٌان قبل  بداية الحرب العالمية الثالثة، ليعلن أن إسرائيل لا أرض لها، تشتعل نيران، تريد أن تستفيد من تصميم سِمْيوجِسْيَان . تراودها فكرة أن تخيط تُبٌانا على شاكلة ورقة من أشجار خريف مونتريال، فتحت ديوان -أرض الورود والبنادق- بدت بداخله ورقة كبيرة من أوراق الصيف الهندي . حملتها معها من مونتريال، تلمس الورقة بلطف، وقد نَشف ماؤها واعوج عودها وخفت لونها، قال لها وهو يمسك بالورقة :

- هذا تُبٌان سيدتنا حواء، ضعي الورقة من أمام العورة وامسكيها من الخلف بِفَنن الغصن، واحرصي على الاستواء، استفيدي مني . أنا سِمْيوجِسْيَان  .

قالت له مستهجنة تصميمه :

-  أنا أفكر أن أخيط تُبٌان على شاكلة تُبٌان صممته جدتي، رسمته  خَرٌمته طَرٌزته بالحرير شكلت ورود بيضاء .

تمسح الغبار لا تهتم بتُبٌان المِيكانِسْيان  -بِكيني ولا بتبان سِمْيوجِسْيَان - مونتريالي، تهتم ب تُبٌان جدتها المُخرم، يخرج غَضْبان لأنها لا تعير تصميمه أي اهتمام. يهمس :

- عاصية رأسها مثل الحديد الصلب .

ينظر إلى حبل الغسيل، يتطلع إلى تُبٌان مندهشا، لقد سبق أن رأى مثله على صفحة المجلة التي أطلعه عليها صديقه "بديع"،  بمقهى-الجمرة- أعاد النظر طويلاً في فزع جميل، وجده محكم الطرفين  بمقبضين بعناية وباستواء مغري فاتن، لونه وردي مزين بالدانتيل، غض بصره واستحسن خَرمه، تأكد له أنه يشبه تُبٌان شاهده على صفحة المجلة التي رمقها خلسة، وقد اندلق فنجان القهوة الذي كان النادل يقدمها  إليه، بسرعة غض بصره حين أصابته الرغبة واستولى عليه الشيطان، دخل خزانة كتبها، وبدأ يُدَبّج عدة صفحات حول - تُبُان سِمْيوجِسْيَان- هي بجواره تظن أنه يهيئ محاضرة حول -اللغة الفصحى والعامية- .

تمسح الغبار، وهي ما زالت تفكر في الخصومة التي دامت بينهما هذه المرة أكثر من أربعين يوماً، وانتهت قبل آذان فجر هذا النهار، بصلح عشوائي جميل، تجد أن الخصومة مهمة شبيهة بالهروب، لأنها تفرض الامتناع قسراً، ليكونا أفضل وأقوى وأشد حبا،  تفكر في الحب قبل الرغبة، تحاول أن تستحضر بيتا شعريا قاله "قيس" بن الملوح، والذي معناه أن الحب يعيش بالفراق ويموت بالوصال، تقول له :

- هل تذكر بيت شعر ل "قيس"، يقول فيه أن الحب يعيش بالفراق .

لا يجيبها، تعرف أنه منشغل بالسياسة الشبيهة ب تُبٌان سِمْيوجِسْيَان، معجب بطحن الكلمات في مقهى -الجمرة-  تقول له :

- طحنتكم في مقاهي مونتريال والرباط حربُ الكلمات .

يتعجب. ويردد  شعراً ل "البياتي" :

- طحنتنا في مقاهي الشرق حرب الكلمات .

تقول له لتدعم انشغاله بالسياسة وتخفي انشغاله بالتبان :

- أفكر في زيارة دمشق لأحتسي القهوة في مقهى -الروضة- أقف أمسك بيد الشمال فنجان القهوة، وانظم  باليمين كُرسيا أسقطه العسكر، وفي زيارة بغداد، لأدوس على صورة "بوش" الأب، بمدخل فندق الرشيد، لا أريد حرب الكلمات، أريد حرب القبلات. أيهما أجمل قبلة "عنترة" أو قبلة "محمود" .

يجيبها بسرعة :

- الله أعلم، لا أريد الحديث عن الأموات، اذكروا موتاكم بخير .

 

يتبع

لطيفة حليم

 أستاذة جامعية وكاتبة حاصلة على شهادة الدكتوراه، تعيش ما بين كندا وبلدها المغرب، صدرت لها روايتان “دنياجات” عام 2007 عن منشورات زاوية الفن والثقافة، و“نهاران” عام  2012   عن دار فكر المغربية بالرباط . بالإضافة إلى نشرها العديد من المقالات والمواضيع في مطبوعات متعددة .

 

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
©2024 جميع حقوق الطبع محفوظة ©2024 Copyright, All Rights Reserved